بقلم/ منال باعطيه
دخل الرجل إلى المقهى، طلب قهوته مبتسما ، تبادل مع النادل بضع كلمات، ثم غادر. لم يوزع هدايا، ولم يلقِ خطابًا، ولم يفعل شيئًا يستحق أن يُروى. ومع ذلك، بدا المكان بعد رحيله أكثر دفئًا مما كان عليه قبل أن يدخل.
وفي صباح آخر، دخل شخصٌ مختلف إلى المكان نفسه. جلس صامتًا، لكنه كان يحمل عبوسًا أثقل من حقيبته، و علا صوته فجأة لخطأ في الطلب فما هي إلا دقائق حتى أصبح النادل أكثر توترًا، وتبادل الزبائن النظرات في صمت، وكأن مزاجًا واحدًا استطاع أن يحتل الطاولات جميعها.
قد تبدو هذه المشاهد عابرة، لكنها تتكرر حولنا كل يوم. فنحن نعتقد أن الكلمات هي أكثر ما يؤثر في الناس، بينما الحقيقة أن كثيرًا مما نتركه في الآخرين لا يُقال أصلًا.
هناك شيء ينتقل بين البشر أسرع من الأخبار، وأهدأ من الهمس، وأقوى من النصائح. لا يُرى بالعين، ولا يُحمل في اليد، ولا يحتاج إلى لغة ليفهمه الجميع. إنه يعبر من وجهٍ إلى وجه، ومن قلبٍ إلى قلب، حتى إن الإنسان قد يغادر مكانًا ما، بينما يبقى أثره فيه لساعات.
يسمّي علماء النفس هذه الظاهرة "العدوى العاطفية"وهي ميل الإنسان إلى التقاط مشاعر من حوله والتأثر بها، حتى دون وعي. وقد شرحت احد الباحثات مع زملائها كيف تنتقل الانفعالات عبر تعابير الوجه، ونبرة الصوت، وحركات الجسد، فيبدأ الأشخاص، من غير قصد، بمحاكاة من أمامهم، ثم يشعرون بالمشاعر نفسها التي التقطوها.
ولعل هذا يفسر موقفًا مرّ به معظمنا، تدخل اجتماعًا وأنت في أفضل حالاتك، ثم تخرج منه مثقلًا دون أن يحدث شيء استثنائي.
أو تزور صديقًا يبتسم للحياة رغم ظروفه، فتغادره وأنت أكثر خفة مما جئت. كأن المشاعر لا تكتفي بأن تسكن أصحابها، بل تبحث دائمًا عن بيتٍ جديد.
ومن الطريف أننا نهتم كثيرًا بما نرتديه قبل الخروج من المنزل، لكننا نادرًا ما نسأل أنفسنا: أي مزاج سنرتديه اليوم؟ مع أن هذا هو أول ما يراه الناس فينا، حتى قبل أن ننطق بكلمة.
وفي الحقيقة أكثر الأماكن تأثرًا بهذه العدوى ليس مكان العمل، ولا الشارع، ولا المقهى بل البيت.
فالبيت ليس المكان الذي ينام فيه الطفل، بل المكان الذي يتعلم فيه كيف يرى العالم.
قد تبدو هذه مبالغة، لكنها أقرب إلى الحقيقة مما نظن.
فالطفل لا يملك في سنواته الأولى القدرة على تفسير ما يحدث حوله لذلك لا يسأل نفسه هل أسرتي مستقرة؟ أو هل والداي يعيشان ضغوطًا نفسية؟
إنه يفعل شيئًا أكثر بساطة… وأكثر خطورة إنه يحفظ الشعور.
يحفظ نبرة الصوت قبل الكلمات، وتعابير الوجوه قبل الملامح، وطريقة حل الخلاف قبل أن يفهم معنى الخلاف نفسه. وما يختزنه في تلك السنوات لا يبقى ذكرى، بل يتحول إلى العدسة التي ينظر بها إلى الحياة كلها.
لهذا، لا يرث الأطفال لون أعين آبائهم فحسب… بل قد يرثون الطريقة التي يبتسمون بها، ويغضبون بها، ويثقون بالناس أو يخشونهم.
وليس من قبيل المصادفة أن تؤكد دراسات علم النفس التنموي أن السنوات الأولى من العمر تؤثر بعمق في تشكيل أنماط التعلق، والشعور بالأمان، وطريقة بناء العلاقات لاحقًا. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الاحتواء والطمأنينة، لا يكتسب ذكريات جميلة فحسب، بل يبني داخله إحساسًا بأن العالم مكان يمكن الوثوق به.
والأجمل أن الأمر لا يحتاج إلى حياة مثالية لأن الحياة المثالية غير موجودة أصلًا.
فالطفل لا يريد أمًا لا تتعب ولا أبًا لا يخطئ.
إنه يريد شيئًا أبسط من ذلك بكثير… أن يشعر أنه محبوب، حتى عندما يخطئ.
وأن يرى الخلاف ينتهي بالاحترام لا بالقطيعة.
وأن يكتشف أن الاعتذار ليس هزيمة بل شجاعة.
في تلك اللحظات الصغيرة يتعلم الطفل دروسًا لن يجدها في أي كتاب مدرسي.
ومن المفارقات اللطيفة أننا قد نقضي ساعات نبحث عن أفضل مدرسة وأفضل الألعاب التعليمية وأفضل الدورات لتنمية شخصية أطفالنا.
بينما يغيب عنا أن أكثر ما يشكل شخصيتهم يحدث مجانًا كل يوم على مائدة الطعام وفي السيارة وبين حديث عابر قبل النوم.
فالأطفال لا يتربون على النصائح…بل على النسخ التي يعيشون معها.
لهذا فإن ابتسامة صادقة عند استقبال الطفل بعد يومٍ طويل قد تترك في نفسه أثرًا لا تصنعه عشرات الهدايا. وكلمة هادئة في لحظة غضب قد تعلّمه عن الاحترام أكثر مما تفعله محاضرة كاملة.
ولعل أجمل ما في المشاعر أنها لا تحتاج إلى ذاكرة قوية لتبقى. فبعد أعوام عديدة قد ينسى الإنسان تفاصيل منزله الأول ولون جدرانه وحتى كثيرًا من أحداث طفولته… لكنه نادرًا ما ينسى كيف كان يشعر وهو يعيش فيه.
وهنا يكمن السر.
فالأسرة لا تصنع طفولةً فقط…
بل تصنع بالغًا سيحمل ذلك المناخ معه إلى كل مكان يذهب إليه.

دايم مميزه باسلوبك الرائع ربي يوفقك ويسعدك روحك ٢
ردحذف