بقلم - منال باعطية
بعض الجروح لا تنزف لكنها تترك شظايا خفية تستقر في الأعماق.
لا نراها دائمًا لكننا نشعر بوخزها كلما اقتربنا من حلم، أو علاقة، أو لحظة تتطلب منا أن نثق بأنفسنا أكثر.
لا يولد الإنسان مثقلًا بالخوف أو الشعور بالنقص بل تتشكل ملامحه الداخلية عبر تجاربه المختلفة.
ورغم أن الطفولة تترك أثرًا عميقًا فإن الإنسان يتأثر أيضًا بخبراته اللاحقة وبالبيئة التي يعيش فيها وبطريقة نظرته إلى نفسه والعالم.
فكلمة قاسية أو مقارنة ظالمة أو خذلان متكرر قد تترك آثارًا تبقى طويلًا.
ومع مرور السنوات لا تختفي تلك الآثار دائمًا بل قد تظهر في الخوف من الفشل أو الحاجة المستمرة إلى رضا الآخرين أو صعوبة التعبير عن المشاعر أو تكرار العلاقات المؤذية لكنها ليست قدرًا محتومًا بل رسائل تحتاج إلى فهم.
وليست المشكلة فيما حدث بل في المعاني التي ترسخت داخلنا بسببه.
فمن اعتاد النقد قد يكبر وهو يجلد ذاته ومن ذاق الخذلان قد يبني حول قلبه جدرانًا تمنع الطمأنينة قبل أن تمنع الألم. وكم من إنسان ربط قيمته بالإنجاز وحده حتى أصبح يرى الإخفاق خسارة لذاته كلها.
ولهذا فإن أكثر ما يرهق الإنسان ليس الذكريات، بل الأفكار التي خلفتها. فكم من فرصة ضاعت لأن صاحبها أقنع نفسه بأنه لا يستحق، وكم من علاقة أفسدها الخوف قبل أن تبدأ.
ومع ذلك لا يبقى الإنسان أسيرًا لماضيه. فهو لا يملك تغيير ما حدث لكنه يملك أن يعيد فهمه وألا يسمح له بأن يكتب مستقبله بالنيابة عنه.
ورحلة التعافي لا تبدأ باختفاء الألم بل بالاعتراف به وفهم جذوره. فالشفاء ليس نسيانًا كاملًا بل خطوات هادئة من مسامحة الذات ووضع الحدود وطلب المساندة عند الحاجة ومنح النفس الحق في الخطأ والبداية من جديد.
وليست الشجاعة أن نتظاهر بالقوة دائمًا بل أن نحمل ندوبنا دون خجل ونتعثر دون أن نعتبر التعثر نهاية الطريق. فالإنسان لا يصبح أقوى لأنه لم ينكسر بل لأنه تعلم كيف ينهض كلما انكسر.
وربما لا نستطيع منع الحياة من أن تترك آثارها فينا لكن الفرق الحقيقي ليس بين من جُرح ومن لم يُجرح بل بين من جعل جراحه سجنًا أقام فيه، ومن جعلها نافذة رأى منها نفسه بوضوح أكبر.
فبعض الندوب لا تختفي تمامًا لكنها تتغير. تتوقف عن أن تكون مصدرًا للألم وتصبح شاهدًا على رحلة نجونا منها.
وعندها ندرك أن الماضي مهما ترك فينا من شظايا لا تُرى لا يملك أن يحدد مصيرنا ما دمنا نملك الشجاعة لنفهم أنفسنا والرحمة لنصالحها والأمل لنبدأ من جديد.

إرسال تعليق