هل العمر مجرد رقم ؟
وطن 24 - منال باعطيه
في صباح يومٍ ربيعي، دخل رجلان إلى الحديقة نفسها
كان الأول يمشي بخطوات متثاقلة، يستند إلى عصاه.
أما الثاني فكان يركض بخفة، ويملأ المكان حيوية ونشاطًا.
جلس الرجلان على المقعد نفسه، ودار بينهما حديث عابر، ثم سأل الأول:
● كم عمرك؟
ابتسم الثاني وأجاب:
● ثلاثة وستون عامًا.
تجمدت الدهشة على وجه الرجل الأول، ثم قال:
● مستحيل! أنا في الخمسين!
هنا يبرز السؤال الذي يتردد كثيرًا:
هل العمر مجرد رقم؟
الحقيقة أن الإجابة ليست بسيطة كما تبدو
فالعلم يخبرنا أن هناك العمر الزمني، وهو عدد السنوات التي مرت منذ ولادتنا.
وهناك العمر البيولوجي، وهو العمر الذي تعكسه صحة الجسم وأعضائه وقدرته على أداء وظائفه.
قد يكون شخصان في العمر نفسه، لكن أحدهما يتمتع بقلب ورئتين وعضلات تشبه شخصًا أصغر بعشر سنوات، بينما يعاني الآخر من أمراض وإجهاد يجعله أكبر من عمره الحقيقي.
في الماضي، كان يُنظر إلى العمر كحدود صارمة.
فالأربعين تعني بداية الكِبر، والخمسين تعني التقاعد من الطموح، والستين تعني انتظار النهاية.
أما اليوم، فقد تغيرت هذه النظرة بشكل ملحوظ.
أصبح العمر بالنسبة لكثير من الناس مجرد مرحلة رقمية، لا تمنع التعلم أو الإنجاز أو تحقيق الأحلام.
فنرى أشخاصًا يؤلفون الكتب أو يبدؤون مشاريعهم بعد الخمسين والستين، ويتعلمون مهارات جديدة في مراحل عمرية متقدمة.
وربما يعود ذلك إلى اختلاف الثقافة و نمط الحياة بين الماضي والحاضر.
ففي الماضي، كانت الحياة تعتمد على العمل الشاق، وقلة الوعي الصحي، ومحدودية الرعاية الطبية والتغذية، إضافة إلى الضغوط النفسية والجسدية المبكرة.
أما اليوم، فقد أصبح الإنسان أكثر وعيًا بصحته، بفضل تطور الطب، والاكتشاف المبكر للأمراض، وانتشار الثقافة الصحية، والاهتمام بالتغذية، و الرياضة، والنوم الجيد.
كما ازداد الوعي بالصحة النفسية وإدارة التوتر، مما جعل كثيرًا من الأشخاص يحتفظون بحيوية أصغر من أعمارهم الحقيقية.
فقد ترى طالبًا جامعيًا في الأربعين، أو رائد أعمال يبدأ مشروعه بعد الخمسين، أو عدّاءً يشارك في سباقات الماراثون بعد الستين.
وهكذا، أصبح العمر أقل قدرة على تحديد ما يستطيع الإنسان فعله، وأكثر ارتباطًا بحالته الصحية ورغبته في التعلم والتطور.
بالإضافة إلى ذلك، هناك العمر العقلي، وهو المرتبط بطريقة التفكير، والقدرة على التعلم والتكيف وحل المشكلات.
فقد تجد شابًا يحمل عقلًا ناضجًا وحكيمًا، بينما قد يتصرف شخص أكبر سنًا بعقلية أقل نضجًا.
وهناك أيضًا العمر الروحي، الذي يُقاس بعمق التجارب، والسكينة الداخلية، ونظرة الإنسان للحياة، وقدرته على التوازن والتصالح مع ذاته.
فمن الناس من تمنحه السنوات القليلة روحًا غنية بالحكمة، ومنهم من يعيش أعوامًا طويلة تائهًا في دوائر القلق.
أما العمر الشكلي أو الظاهري، فهو العمر الذي تعكسه الملامح والبشرة والحيوية العامة.
وقد يتأثر بالوراثة، نمط الحياة، التغذية،الرياضة، والحالة النفسية.
لذلك قد يبدو شخص في الخمسين أصغر بعشر سنوات أو أكثر من عمره الحقيقي.
ولهذا قد يحمل الإنسان الواحد أكثر من بُعد للعمر في الوقت نفسه؛ فعمره الزمني خمسون عامًا، وبيولوجيًا ثلاثون، وشكليًا خمسة وثلاثون، وعقليًا أكثر نضجًا، وروحيًا أكثر عمقًا مما توحي به السنوات.
وفي النهاية، يبقى العمر الزمني حقيقة لا يمكن تغييرها، لكن العمر الذي يشعر به الإنسان ويصنعه بأسلوب حياته وصحته وعقله وروحه، هو الجانب الأهم.
ربما لا نستطيع إيقاف عقارب الساعة، لكننا نستطيع أن نؤثر في الطريقة التي نعبر بها السنوات.
ولعل السؤال الأجمل ليس: كم عمرك؟
بل: كم حياةً ما زالت تسكن هذا العمر؟
ليست المسألة كم سنة عشنا، بل كم حياةً عشناها حقًا.

إرسال تعليق
الله الله الله ابدعت استاذة منال بكل المعاني لسنوات العمر مقال ثري يستحق القراءة والتدبر الالاف المرات شكرا لن تكفي محبتك ازهار
ماشاء الله دايم رائعه بالتوفيق يارب
انتي عسل كلماتك جميله ربي يسعدك هنو
إرسال تعليق